the NAKBA ... الـنـكـبــَـة حـق يـآبــى الـنـسـيــَـان

Monday, 10 January 2011

الــمــوســيــقـــى إيـــقـــاع الـــــروح

لا أرى أي فرق بين الاستماع إلى الموسيقى وإمكانية الصعود إلى السماء؛ إنها فن روحي بامتياز. عندما أكون في الاستماع إلى سيمفونية رائعة، أحس وكأن كل القيود التي تربطني بهذا العالم تتلاشى؛ فيتحول جسدي من تركيبة ذرية إلى كيان من الموجات الضوئية والصوتية التي تصعد، في كحركة لولبية هادئة، نحو أبعاد سماوية تعجز اللغة عن وصفها. من هذا الذي لم يشعر، في أقصى لحظات النشوة الموسيقية، بأن جسده يفقد كل ثقله المادي وبأن كل رغباته تسير نحو الانطفاء، عدا الرغبة في الاتحاد بالكون؟ ومن هذا الذي لم يتبدَّى له العالم، في لحظات الإشراق الموسيقي، كقيد أونطولوجي يشد حركة الكائن ويمنعه من إمكانية التحليق نحو أي عالم ما فوق- أرضي؟ من يستمع إلى الموسيقى ولا تنتابه مشاعر كهذه، يؤكد، على نحو لا يقبل الشك، بأنه لا يزال حبيس تصور الموسيقى كفن في ترتيب الأصوات والترانيم؛ إنه إنسان يجهل ما هو جوهري في الموسيقى
.
لا يمكن لأية ميتافيزيقا، دينية كانت أم فلسفية، إلا أن تقدم لنا معرفة غير مباشرة بالبنية العميقة للوجود. فتوسلها بالمنطق الجاف والاعتقادات الدوغمائية المتحجرة لا يمكن إلا أن تتولد عنه تمثلات أونطولوجية تتسم بضيق المعنى ومحدودية الأفق؛ وحدها الموسيقى تمكننا من اختبار الكينونة على نحو حميمي وعميق. إنها تدعونا إلى الغوص عميقا في روح الإنسان للبحث عن قوى شعورية دفينة تستطيع أن توصلنا بالعوالم اللامرئية للوجود
.
الاحتكاك الطويل بالفلسفة يولّد لدى المرء الافتخار بكونه إنسانا ذكيا؛ أما بمعاشرة الموسيقى فإننا نتعلم بأن الإنسان مجرد مرحلة، وبأن الذكاء ليس بأكثر من غريزة عليا. كل نقرة على وتر قيثارة كلاسيكية تهزني من الداخل، وكل متوالية من النوتات توقظ في جميع أشواقي السعيدة وتفسح المجال أمام كل دمعة لم أذرفها وكل زفرة لم أطلقها. وهكذا تتوالى الألحان وتنزاح الإيقاعات، فتتوتر الروح ويبدأ الارتفاع نحو السماء. والنتيجة النهائية هي أنه بعد لحظات من هذا الدوار الموسيقي أجد نفسي على أبواب الجنة
.
شوبنهاور على حق: الموسيقى أعلى مرتبة من الفلسفة. لكن سيوران ذهب إلى أبعد من ذلك: الموسيقى فن من أصل إلهي. والدليل على ذلك هو أنه لا وجود لموسيقى أيدلولوجية؛ وليس هناك فن أو فكر يحثني على ترك كل ميولي التعصبية والاصطفائية مثلما تفعل الموسيقى. إنها الفن الوحيد الذي يجعلني أخجل من كوني إنسانا ويدفعني إلى التعالي عن كل ما هو بشري في. أحيانا أتساءل مع نفسي عما إذا كانت الموسيقى، بما تثيره من مشاعر الحزن، الترجمة الأمينة لجرح داخلي فينا؛ ذلك أنه ما من موسيقى مؤثرة إلا وتكون موسيقى حزينة. والحق أنه يمكن لهذا الحزن أن يكون انعكاسا للشروط التراجيدية التي تخترق الكائن؛ كما يمكن أن يكون أيضا حنينا إلى أصولنا الكونية
.
كل من لا يحب الموسيقى هو إنسان مصاب بلعنة لا توصف؛ إنه لا يعرف شيئا عن تلك السعادة التي يمنحك إياها التحليق الموسيقى، حيث يأخذك إلى فضاءات كلها صفاء وسكينة. في أقصى لحظات الوجد الموسيقي كل شيء يصبح جميلا؛ حتى الموت يتألق بشكل غير عادي. بل إنني لطالما فضَّلت أن أموت في تلك اللحظات على أن أعود إلى تفاهات الحياة اليومية. ولا عجب في الأمر، فالوجد الموسيقي يرفع الحجاب عن أنوار كونية تبدو الحياة، بالمقارنة معها، خطأ لا يغتفر
.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...